عباس حسن

506

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

وقد سبق بيان الأفعال الأخرى الناسحة التي يكثر استعمالها بمعنى : « صار » وبشروطها ( وهي : كان - ظل - أصبح - أضحى - أمسى ) . ليس : تفيد مع معموليها نفى اتصاف اسمها بمعنى خبرها في الزمن الحالىّ « 1 » نحو : ليس القطار مقبلا . فالمراد نفى القدوم عن القطار الآن . ولا تكون للنفي في الزمن الحالي إلا عند الإطلاق ، أي : عند عدم وجود قرينة تدل على أن النفي واقع في الزمن الماضي ، أو في المستقبل : فإن وجدت قرينة تدل على أنه واقع في أحدهما وجب الأخذ بها ؛ نحو : ليس الغريب مسافرا أمس ، أو : ليس سافر « 2 » الغريب ، أو : زرعت الحقول ليس حقلا . . . « 3 » فوجود كلمة : « أمس » ، أو . وجود الفعل الماضي « 4 » بعدها ، أو قبلها - دليل على أن النفي للماضى . . . أما في نحو : ليس الغريب مسافرا غدا ، أو قوله تعالى في عذاب الكافرين يوم القيامة : ( أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) ، فيكون النفي متجها للمستقبل ؛ لوجود قرينة لفظية في المثال ؛ وهي كلمة : « غد » الدالة عليه ولوجود قرينة عقلية في الآية تدل عليه أيضا ، هي : أن يوم القيامة لم يأت حتى الآن . وقد يكون المراد منها نفى الحكم نفيا مجردا من الزمن ؛ كقول العرب : ليس لكذوب مروءة ، ولا لحسود راحة ، ولا لسيئ الخلق سؤدد .

--> ( 1 ) الحال ، هو زمن الكلام . وبالرغم من أنها لنفى الحال كثيرا - وقد تكون لنفى الزمن الماضي أو المستقبل بقرينة - فإنها عند الإعراب تعرب فعلا ماضيا في كل أحوالها ، وكذلك لو كانت للنفي المجرد من الزمن . ( 2 ) هذا الأسلوب غير شائع في الكلام القديم ، فلا داعى لمحاكاته ، والفعل والفاعل فيه ، في محل نصب خبر « ليس » ، واسمها ضمير الشأن محذوف - وقد سبق هذا عند الكلام على ضمير الشأن ؛ ص 230 - وقلنا الأحسن في هذا الأسلوب ونظائره مما يقع فيه فعل بعد « ليس » مباشرة أن تكون هي حرف نفى مهمل ( أي لا يعمل ؛ فليس له اسم ، ولا خبر ) وهذا الإعراب أيسر وأنسب لمثل هذه الصيغة ؛ لأن وقوع الفعل تاليا الفعل الذي من نوعه قليل في الكلام الفصيح إذا كان التالي لغير توكيد لفظي . وإهمالها في هذه الصورة يوافق لغة تميم التي تهملها في كل الأحوال ، وبلغتهم : « ليس الطيب إلا المسك » . ولكن لا يحسن الأخذ اليوم برأي تميم ، إلا في الصورة التي أشرنا إليها . ويرى القرطبي : ( في مقدمة تفسيره في باب الرد على من طعن في القرآن ، ص 70 ) أن التركيب السابق ضعيف ؛ لأن « ليس » لا تنفى الماضي ، والوارد منه هو قولهم : « أليس قد خلق اللّه مثلهم » ، بدخولها على الماضي المقرون بقد ، و « قد » تقربه من الحال . ( 3 ) « ليس في هذا المثال فعل من أفعال الاستثناء ، كما سيجئ في بابه ج 2 . ( 4 ) ويفهم من هذا صحة وقوع الفعل الماضي في خبرها . ولكنه قليل - كما سلف في رقم 2 - ويستحسن أن يكون هذا الماضي مقرونا لتقربه من الحال ، كما سبق في رقم 3 من هامش ص 497 ، أما الاعتراض . بأن : « ليس » لنفى الزمن الحالي ، فيلزم من الإخبار عنها بالماضي تناقض - فقد أجاب « النحاة » عنه بأنها تكون لنفى الحال في الجملة غير المقيدة بزمان ، أما المقيدة به فنفيها على حسب القيد .